أخبار عاجلة

من الذاكرة الكربلائية.. المشهد الحادي عشر. ((حمام السوك ))

 

 حسين أحمد الإمارة
فترة الخمسينات وما قبلها كانت حمامات الدور تفتقر إلى الشروط الصحية الواجب توفرها، لأسباب عديدة، منها: قلة الامكانيات المادية، وعدم وجود أجهزة التسخين. ( سخانات الماء، الكهربائية أو الغازية أو النفطية ).
مما أضطر أغلبهم إلى تجهيز حمامات دورهم بما يلائم العصر آنذاك وهي خزانات ماء توضع تحت أرضية الحمام، تصنع من الحديد السميك، تسمى (بويلر ) .يتحمل الحرارة العالية نتيجة ايقاد نار أسفله تحت الحمام.
الوقود التي تستعمل في العادة من الحطب أو مكينة (مشعل ) تعمل على النفط تخرج منها نار قوية تسمى( الخنزيرة ).
مما يتسبب في ازدياد حرارة الماء الذي يمر من خلال الحنفيات المعدة لهذا الغرض.
وكذلك الحصول على أرضية ترتفع فيها درجات الحرارة، ينعكس عنها إنتاج بخار وهو مهم لإكمال الإستحمام المثالي.

وإذا دخلت مع أمك للحمام فلن تخرج منه إلا وقد بانت عليك ثلاث علامات..

1. إحمرار العين جراء استعمال الصابون( الركي ) طوعاً أو كرها .
2.إحمرار الجلد جراء كثرة( الحك والجلف ) وربما استبدل جلدك بآخر جديد وانت لا تعلم.
3.التعب والخدر الظاهر على جسمك النحيل.
كلها من بركات الحنينة….

فيما نجد أن الكثير من البيوت تفتقر لهذه الميزة، وهي البيوت التي تسكنها العوائل الفقيرة، مما يضطرها بالقيام بغلي الماء داخل الحمام بقدرٍ أو ماشابه، مع تقبل المواد السامة التي تنبعث من الموقد..

لذا نرى الكثير من الناس تتجه إلى أرتياد الحمامات العامة. (حمام السوك ).للحصول على نظافة أسبوعية شاملة .

أصطحبني والدي (رحمه الله ) يوماً إلى حمام سيد سعيد الشروفي، ( رحمه الله ) الكائن عند مجمع مقاهي باب السلالمة.

طويت (بقجة) الملابس وهي تسمية تركية . هي عبارة عن قطعة قماش مطرزة، فاقعة اللون منها (الحمراء والصفراء والخضراء ) ،
وفي اليد الثانية حملت كيس الحمضيات (النومي حلو، البرتقال، اللالنكي ) ، التي قطفناها قبل يوم من البستان .وهي من العادات التي يمارسها كل من يذهب لحمام السوك.

دخلنا الحمام بعد إلقاء التحية.
جلب لنا العامل الاحرامات، (المناشف، الوزرات ) لكلانا، خلعنا ملابسنا وأتزرنا ودخلنا لصحن الحمام ومعنا كيس الحمضيات وكيس المنظفات.

أتخذنا مكاناً وسطا من الإيوان الذي يحتضن خمسة أماكن جلوس. حول حوض الماء الممتد عليه حنفيتان ،واحدة للماء البارد وآخر للماء الحار.

بعد أخذ بضعة أقداح ماء معتدل، سكبتها على بدني ،نهضت للاستحمام في حوض الماء الحار ( الخزينة ) .ولكن والدي نهاني من دخوله لوجود مستحمين كُثر ،ولقذارة الماء الموجود فيه ،فهي مياه غير صحية ،وقد أغلقت فيما بعد من قبل دائرة الصحة ،وفي جميع الحمامات.

أبخرة تتصاعد من وسط باحة الحمام الذي تعلوه قُبة فيها فتحات أنارة.

رجل مستلقٍ على بطنه يتلقى التدليك( المساج ) من خبير متخصص، مع (الصابون والليفة ) ،يقلبه ذات اليمين وذات الشمال، للحصول على أفضل نتيجة.

بين حين وآخر نسمع نداءاً ..
نعيماً…يقابلها..أنعم الله عليك..
يدخل مستحمين ويخرج آخرين.

تناولنا الحمضيات مع من كان جالساً في ذات الإيوان. بعد أن قسمها والدي عليهم.

أكملنا الإستحمام،
نادينا على العامل بالتصفيق ،وطلبنا منه جلب المناشف.
بعد أن لفنا العامل بثلاث مناشف، للرأس والوسط وأسفل الجسم، وضعنا أقدامنا في بركة ماء بارد، كنت لا أعرف الغاية منها. ولكن عرفت فيما بعد، إن الماء البارد ينشط الجسم ويؤدي إلى حدوث انبساط وتمدد للعضلاة، وهي مهمة للجسم.

قُدم لنا كأسان من (مشروب الدارسين)، ففيه فوائد جمة. شربته على مضض.
ارتدينا الملابس وغادرنا بعد دفع قيمة أجرة الإستحمام .

مفارقات ولطائف كثيرة تحدث بين المستحمين، تبادل الآراء، مع سرد القصص، حقيقية كانت أم منقولة. المهم قضاء الوقت الذي يطول لساعات، كي لا يصاب أحدهم الملل.

خزين آخر من الذاكرة مما مضى من سابق الأيام..

شاهد أيضاً

ادفوكات.. يدق ناقوس الخطر

  سعد رزاق الأعرجي مع اقتراب المهمة المصيرية والتي ستشكل علامة فارقة في سفر الرياضة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *