أخبار عاجلة

من الذاكرة الكربلائية ..المشهد السادس عشر. (بين الكاظمية والملوية قصة تحكى)

 

حسين أحمد الإمارة


– تهيأنا قبل يوم واكملنا متطلبات السفر..مبيت ليلتان بثلاث أيام.
بعد أن أعلن المتعهد المرحوم حمودي الخفاجي ،للتسجيل بمن يرغب السفر إلى سامراء والسيد محمد والكاظمية، كما هو المعتاد كل عام…
بعد صلاة الفجر انطلقت حافلتين كبيرتان نوع مرسيدس صفراء اللون، بعد أن حُملت بحقائب وفراش الزائرين على سطح الحافلة متوجهة إلى بغداد مرورا بالمدن والقرى على الطريق، توقفنا في المحمودية للاستراحة وشرب الشاي لفترة وجيزة.
بعدها انطلقنا متجهين لغايتنا،
لاح أمام ناظري أعمدة الدخان الصادرة من مصفى الدورة وهو مؤشر على دخولنا في بغداد حيث قصر الرحاب الشامخ الذي أنشأ في العهد الملكي ،والذي أطلق عليه فيما بعد بقصر النهاية ..
مرورا بمعسكر الوشاش الذي أسسه الجيش البريطاني في عام 1920،والذي تحول فيما بعد إلى حديقة الزوراء.

اقتربنا من المحطة العالمية للسكك الحديدية التي افتتحت في العام 1951 ، تتصدرها بوابة غاية في الجمال كبوابة عشتار بتاريخها السحيق. بناء شامخ وفخامة تدعو للفخر تعانق السحاب، ترحب بالزائرين وتقول لهم…
انا بغداد الحضارة والتاريخ والمجد ،احتضنت في بطني علماء وصالحين ومفكرين..

تمد البصر إلى الأفق لتشاهد مرقد أبا حنيفة النعمان، صاحب المذهب الحنفي الشهير، وقباب ذهبية تنشر الأمان وتقضي حاجة الناس، إنها روضة من رياض الجنة…كيف لا وهي مدفن سلالة الرسول الكريم. ص. (موسى بن جعفر ومحمد الجواد ) عليهم سلام الله.
تحول بصري إلى اليسار، ووقع على طائرتين نوع( ترايدنت) جاثمتان على أرض مطار بغداد ( المثنى ) الذي شُيد عام 1931..
سقط راسي على كتف جدتي فقد مسح سلطان النوم على جفني فلا طاقة لي من أبعاده …

بيبي حسين أكعد ،وصلنا سامراء.
فتحت عيني وأنا في أتم راحة، نوم عميق بعد سهر ليلة كاملة سببها التفكير في تفاصيل السفر.

ترجلنا جميعاً ودخلنا الصحن الواسع الفضاء، تنتصب على القبران قبة تمتاز بسعتها واختلافها عن نظيراتها القباب، مع مأذنتان باسقتان ، متجهين لزيارة الامام علي الهادي والامام العسكري عليهما السلام. والدخول في سرداب الغيبة .
بعد الانتهاء إتخذت العوائل مكانا لها، وكل عائلة جلست عند أحد الأواوين..

مئذنة تعانق السماء…إنها الملوية تقف في وسط الصحراء مطلة على المدينة وتحمل معها تأريخ أمتد لأكثر من ألف عام ،ذات النموذج المعماري الفريد بتصميمه .

رفع آذان الظهر فتوجه الجميع لإقامة الصلاة، بعدها تناولنا الغداء،
إستراحة قصيرة وعدنا إلى الحافلة متجهين إلى مرقد السيد محمد .
توقفنا بالقرب من الصحن، أنزلنا رزم الفراش والجنط وتوجهنا لحجز المكان.

ثلاث خرفان أنُزلت من سطح الحافلة، إنها نذر لوجه الله إلى السيد.مهدات من قبل العوائل.
نُحِرتْ وأخرج سهم الخدم منها، ثم تولى أحد الطباخين طهيها، وبعدها وزع اللحم على العوائل كافة..

لفت نظري كدس كبير من (الكواريك ) أحجام وأشكال وأنواع متنوعة مكدسة على الجهة الشمالية من الصحن. تساءلت عن سبب وجودها، فاخُبرت، أن من تطلب الولد( ذكر أو أنثى ) من الله جل جلاله بجاه السيد وترزق به، تقوم بجلب كاروك كهدية،
إيمان الناس بوجاهة السيد محمد عند الله كبيرة، فالأمر بيد الله من قبل ومن بعد وله مقادير الحياة.

تجولنا برفقة أصدقائي حباً بالاستطلاع واكتشاف المجهول، صعدنا على سطح السور نشاهد المدينة وما تحتويها.
بدأت الشمس بالافول..تجمعنا معا لتناول طعام العشاء.
حكاية من هذا وأخرى من تلك عن كرامة أهل البيت عليهم السلام حتى غلبنا النوم، لنصحوا على نداء آذان الفجر.
بقيت مستلقيا على فراشي حتى حان موعد الإفطار.
بعدها طلب من الجميع التهيأ للصعود في الحافلة لغرض المغادرة .

بعد الوصول توقفت الحافلة بالقرب من الصحن الكاظمي المقدس، طلب من الجميع الإنتظار ريثما يجد مكانا مناسبا للمبيت فيه،
عاد( الحملة دار) حجي حمودي وطلب من الجميع النزول من الحافلة وجلب حقائبهم واتباعه لنصل إلى بيت شرقي كبير قديم البناء مكون من طابقين على شكل مستطيل مفتوح، بغرف مطلة على باحة الدار الكبيرة والمزينة بنافورة ملكية الطراز يتجاوز قطرها الثلاث أمتار.
الدار يقع على الجهة الشمالية للصحن ويطل عليه.

تم توزيع الزائرين على الغرف،
أخذ الوقت يشارف على الظهيرة،
بعد أن وضعنا الجنط داخل الغرف توجهنا جميعا للزيارة.

تفاصيل تخلب الألباب

قبتان وأربع منائر وهو ما يختلف عن بقية المراقد. الصحن الكبير بثلاث باحات، أعمدة عالية يجلس عليها سقف الإيوان عند باب القبلة، ثريات وشمعدانات تبهر الناظر إليها، عطر مميز يحيط بالضريح، حركة دائبة بين خارج وداخل الى الضريح وهم يلهجون بالدعاء وطلب تيسير الحاجة من رب العباد.
سؤال من السادة عن وجود (نذر) أم لا.
وذاك الشيخ يزود الزائرين بشريط أخضر للتبرك. لقاء مبلغ بسيط من المال.
أم تبكي وترجوا الناس للبحث عن ولدها المفقود،
أحد السادة يومأ بيده لجمع الزائرين لغرض الزيارة المخصوصة،
أمهات مسكن بأيدي أبنائهن خوفا من الفقدان،
زحمة المكان وتدافع الناس للحصول على قبلة من الشباك والدعاء لله بطلب قضاء الحوائج..

بعد أن اكملنا الزيارة سحبتني جدتي من يدي مع التوجيه بعدم الابتعاد عنها.
اجتمعنا عند باب القبلة من الداخل وطلب منا الحملدار الإلتزام بالوقت،
صوت آذان الظهر اوقف الجميع من الكلام.
بعد الانتهاء من إقامة الصلاة توجهنا بجولة في أسواق المدينة وتناول الغداء.
سوق الاستربادي وشارع باب القبلة وسوق الذهب وبقية الأسواق التي تعج بالزائرين..

انقضى اليوم بين الزيارة والتسوق والتجول في المدينة حتى المساء.

اجتمعن النسوة عند حوض الماء (النافورة ) يتبادلن الحديث وقضاء السهرة. بعد فترة تفرق الجميع كلٌ إلى غرفته.
في صباح اليوم التالي وبعد تناول الإفطار توجهنا لزيارة الوداع، والتوجه للحافلة لغرض العودةللديار.

مشهد آخر مما تحمله الذاكرة.

رحم الله من غادر الدنيا وحفظ الباقين بحفظه وعنايته.

شاهد أيضاً

من الذاكرة الكربلائية/ المشهد الواحد والستون من يدري بالباطن شكو.. كلها عليها الظاهر ( الهموم تقتل عزيز النفس) هذا ما جرى…

   حسين أحمد الإمارة – في ليلة مقمرة عاد متأخراً محملاً بهموم لا يحتملها الجبل. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *