اللسان المستعار للهجة الكربلائية

منال النصراوي

تمتاز اللهجة العراقية أنها لهجة غنية بخصائص أخذتها من اللغات العراقية القديمة ( السومرية – والأكدية والبابلية ) وكذلك اللغات الإجنبية التي إحتكت بها عبر التأريخ متأثرة بالإختلاط التجاري ،وخاضعة للتنوع الذي فرضته أزمنة الإحتلال وإختلاف مقاليد الحكم عليه ،واللغة الفارسية من اقدم اللغات التي أثرت وفرضت مفرداتها بسبب العلاقات المتداولة بين الحضارتين والتي ترجع إلى ماقبل الإسلام منذ دخول الحكومة الكيانية إلى العراق وحتى وقتنا هذا ،ونستطيع أن نقول إن تأثير اللغة الفارسية هو الأشد تأثيرا ولايدخل في الألفاظ فقط بل حتى في الكثير من التراكيب والمواد الإنشائية للهجة العراقية ،ورغم توغلها الشامل إلا إن مدينة كربلاء قد تفردت عن باقي محافظات العراق بلسانها الذي استعار أغلب مفرداته منها بسبب كثرة المخالطة والتعاملات التجارية معهم ،حتى إني أتذكر سماعي لبعض كبار السن إن المربيات في الزمن الأول اغلبهن فارسيات عوضا عن الزيجات المتبادلة والتي جعلت الأنساب تختلط في أصولها ،فكيف يتمكن الكربلائي من تجاوز المفردات الفارسية في تعاملاته اليومية. وهو ينام عليها وياكل منها ويستظل بها ايضا. فهو يقول دوشگ (تشك) بدل فراش، ويقول چربایه بدل سرير وهي كلمة مركبة من كلمتين هما چهار + پایه وتعني ذات الاربع قواعد، وعنده الباچه من اشهى اكلات المطبخ العراقي التقليدي، وهي كلمة فارسية مكونة من جزئين هما پا اي الساق و چه ادات تصغیر وتعنی الکوارع. فضلا عن الاكلات والحلويات الفارسية التي انتقلت الينا عبر الزمن كالفسنجون والتاجينة والزردة والكليجه. کما یقوم العراقي بنصب الخيام في الافراح والاتراح لاستقبال الضيوف المهنئين والمعزين فيقول چادر بدل خیمه ولا تزال منطقة الجوادر(جمع جادر) في بغداد / جانب الرصافة دلالة على رواج صناعة الخيام في تلك المنطقة.
ويقول العراقي پرده بدل ستار، و دگمه بدل زر، و چرچوبه بدل اطار، و دهنه بدل فتحه، وبنچر بدل ثقب الاطار، وسیم بدل سلک، وشکردان بدل وعاء السكر، وپیاده بدل راجل، وميز بدل منضده، وخانه بدل مكان حفظ الاشياء، وتخته بدل لوح خشبي، و تيزاب بدل حامض النتريك او ماء النار، و هلم جرا ……….وهذا ان دل علی شیِء انما یدل على عمق الاختلاط والتمازج الثقافي بين الشعبين العراقي والایراني. وللمعلومة حتى كلمة أنبار فارسية الأصل وتعني المخزن إذ كان كسرى يقوم بتخزين المؤن لجيوشه في هذه المنطقة ، لأنهم يتبادلون السلع والبضائع مع باقي الأقوام فدخلت اسماء تلك البضائع الى لغتنا وعرب البعض الأخر ايضا
هذه الظاهرة لم تنشأ من العدم بل اسهمت عوامل عديدة في عملية التاثير والتاثر بين اللغتين الفارسية والعربية عبر مراحل التاريخ المختلفة. فاللغة كائن حي يؤثر ويتاثر ويهاجر ويستقر ويتزاوج ويتوالد ايضا .

 

شاهد أيضاً

مريكل وملكة السويد .. دروس مجانية

  كتب أحمد حسين ال جبر كنت قد كتبت سابقا عن النائب كارولين السويدية مقالا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *